خطبة منبرية: قل آمنت بالله ثم استقم ليوم 16 ربيع الأول 1446هـ، الموافق لـ: 20/9/2024م

خطبة منبرية: قل آمنت بالله ثم استقم ليوم 16 ربيع الأول 1446هـ، الموافق لـ: 20/9/2024م
***
الخطبة الأولى
الحمد لله الذي هدانا إلى صراطه المستقيم بفضله، وأرشدنا إلى سبل الرشاد بمنه، نحمده سبحانه حمد الشاكرين لنعمه وأفضاله، المقرين بجوده وإحسانه، ونشهد أنه الله الواحد الأحد، الفرد الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفؤا أحد…

ثم الصلاة والسلام على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم خير من علم وأرشد، جاءنا بالمحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، نشهد أنه بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، وهدانا بفضل ربه إلى الصراط المستقيم، ثم الرضى عن آل بيته الطاهرين، والصحابة الكرام الصادقين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد، فيا أيها الإخوة المؤمنون، روى الإمام مسلم في صحيحه عن سفيان بن عبد الله الثقفي رضي الله عنه قال:

قلت: يا رسول الله، قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا بعدك قال: «قل آمنت بالله، فاستقم»[1]، وفي رواية أخرى: «قل: آمنت بالله، ثم استقم»[2].

عباد الله، في هذا الحديث النبوي الشريف سأل هذا الصحابي الجليل سؤالا يجب على كل واحد منا أن يهتم به على الدوام، حيث طلب رضي الله عنه من سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن يدله على ما به يُحَصل خيري الدنيا والآخرة، في قول جامع لا يحتاج معه إلى مزيد بيان، ولا يحتاج أن يسأل عنه أحدا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. فجاء الجواب بشكل دال ومركز، يهدينا إلى اتباع المنهج النبوي التربوي في النصح والتوجيه، وهو منهج يقوم على القصد في الجواب بالقول الجامع، دون الإطناب في الكلام، والإغراق في تتبع المسائل.

إن الناظر أيها الأحبة في هذا الجواب النبوي الشافي يجده جامعا لخيرَي الدنيا والآخرة، بما يعود بالنفع على الفرد والجماعة، ويدل على باب واسع لتحصيل السعادة والطمأنينة، والتنعم بالحياة الطيبة الموعودة، في جملتين بليغتين من جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم: «قل آمنت بالله ثم استقم».

معشر المسلمين: لقد دل هذا الحديث على أن الإيمان هو محور الأمر كله؛ والدافع إلى العمل الصالح، والباعث على حسن الاستقامة التي هي ثمرة الإيمان، وأساس فعل الطاعات والحسنات، واجتناب المعاصي والسيئات، يقول ربنا سبحانه:

“إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا” [3]

أي: «استقاموا بالطاعات واجتناب المعاصي»[4]. وليس ذلك إلا لمومن تشرب معاني الإيمان، فاستقام بها قلبه، ثم لسانه وسائر جوارحه؛ روى الإمام أحمد عن سيدنا أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه»[5].

والمعنى: أن استقامة الإيمان لا تتم إلا باستقامة الجوارح من اللسان وغيره، واستقامة الجوارحِ مرهونة باستقامة القلب، بأنْ يكونَ ممتلئاً مِنْ محبَّةِ الله، ومحبَّة طاعته، وكراهة معصيته.

عباد الله: إن مضمون هذا الحديث النبوي الشريف، هو ما شغل بال العلماء وهم يحثون عليه في مشروع: «خطة تسديد التبليغ»؛ قياما بواجب النصح للدين ولأمير المومنين وللأمة، وأداء للأمانة الملقاة على عاتقهم، وذلك بالبحث عن أسباب تخلف التدين السليم في حياة الناس، وإرشادهم إلى ما يصلح حالهم، ويرتقي بسلوكهم، فيتحققوا معنى الاستقامة.

وعليه فإن هذا المشروع هو مشروع الجميع، نسعى كلنا من خلاله لجلب السعادة و التنعم بالحياة الطيبة، التي وعدنا بها الله عز وجل في كتابه، فتتحقق لنا كما تحققت للصحابة الكرام وكل من تبعهم بإحسان في كثير من الأزمنة والأمكنة، وما وعد الله ببعيد على كل من أخلص النية وانخرط واستجاب لهذا المشروع العظيم، عالما كان ناصحا لأمته رحيما بها مشفقا عليها، أو متعلما شاعرا بالحاجة إلى تزكية النفس وإسعاد الأسرة وحسن الجوار وجميل المعاملة وكريم الخصال، فلا أحد يملك أن ينازع في مدى حاجتنا جميعا إلى القيم، وأنها لا تكون إلا من خلال الإيمان والاستقامة، كما في الحديث السابق: «قل آمنت بالله ثم استقم».

بارك الله لي ولكم في القرآن المبين، وغفر لي ولكم ولسائر المسلمين أجمعين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

الخطبة الثانية
الحمد لله الرؤوف الرحيم، اللطيف الحليم، والصلاة والسلام على من بعثه ربنا رحمة للعالمين، سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

وبعد، فيا عباد الله، قرأ سيدنا عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، وهو يخطب على المنبر: قول الله تعالى:

“إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا”

فقال: “استقاموا والله على طاعة الله، ولم يروغوا روغان الثعالب”[6].

يعني رضي الله، أن الاستقامة منوطة بالإيمان، وأن الروغان والدوران كدوران الثعلب يدل على ضعف الإيمان في القلوب، ولذلك اهتم علماء الأمة وصلحاؤها قديما وحديثا بإصلاح البواطن تحت مسميات عديدة والمعنى واحد، ففي صحيح البخاري؛ كتاب الرقاق، وفي صحيح مسلم؛ كتاب الرقائق، وفي كتب السنة المختلفة أبواب الزهد، وكلها اهتمت ببيان مكارم الأخلاق، وما يرقق القلوب من حديث معلِّم الأخلاق صلى الله عليه وسلم.

ثم استقل هذا العلم الموسوم بالتصوف والسلوك بنفسه، وأفرغ فيه العلماء وسعهم، وألفوا فيه كتبهم تحت عناوين عديدة مثل: «الرعاية لحقوق الله» للحارث المحاسبي، و«قوت القلوب» لمكي بن أبي طالب، و«إحياء علوم الدين» للغزالي، وشبه ذلك من الكتب المتخصصة في علاج النفوس من أمراضها المختلفة كالأنانية والكبر والعجب والشح والبخل، وغيرها مما يسميه العلماء رؤوس الخطايا.

ولذا؛ فكن أخي المسلم أختي المسلمة ممن يسهمون في نشر هذا الخير؛ إما معلما أو متعلما، ولا تكن الثالث الذي يتبرم من كل شيء، واللبيب من شغل نفسه بإصلاح عيوبه عن الاشتغال بعيوب الناس، فإذا وجد خيرا استقام ووطّن نفسه عليه، وإن وجد غير ذلك اجتهد في إصلاح نفسه متبعا سنن الصالحين السائرين في الاهتداء إلى صراط الله المستقيم.

هذا والزموا عباد الله بابه تفلحوا، واتبعوا هدي نبيكم تدركوا، فإنه لا منجاة من الله إلا إليه، ولا خير في عمل يعقبه ندم.

ألا وأكثروا من الصلاة والتسليم على نبي الرحمة الهادي الأمين، سيدنا محمد خير خلق الله أجمعين، فاللهم صل وسلم وبارك عليه في كل وقت وحين.

وارض اللهم عن الخلفاء الراشدين ساداتنا أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن الصحابة الكرام أجمعين، وعن التابعين وتابعيهم إلى يوم الدين.

وانصر اللهم من وليته أمر عبادك، وبسطت يده في أرضك وبلادك، مولانا أمير المومنين صاحب الجلالة الملك محمدا السادس نصرا عزيزا مؤزرا ترفع به راية الإسلام والمسلمين، واحفظه اللهم بالسبع المثاني والقرآن العظيم. وأقر عين جلالته بولي عهده المحبوب صاحب السمو الملكي الأمير الجليل مولاي الحسن، وشد أزر جلالته بشقيقه السعيد، صاحب السمو الملكي الأمير الجليل مولاي رشيد، وبباقي أفراد الأسرة الملكية الشريفة.

وارحم اللهم الملكين الجليلين مولانا محمدا الخامس ومولانا الحسن الثاني، اللهم طيب ثراهما وأكرم مثواهما، واجزهما عنا خير ما جزيت محسنا عن إحسانه.

اللهم ارحمنا وارحم آباءنا وأمهاتنا وسائر موتانا وموتى المسلمين، اللهم آمنا بالإيمان، وسلمنا بالإسلام، وأحسن عاقبتنا بالإحسان، ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيِّئ لنا من أمرنا رشدا. سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.

[1] صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب جامع أوصاف الإسلام، رقم الحديث بالمنصة: 49.

[2] مسند أحمد، رقم: 15416.

[3] سورة فصلت، الآية: 29.

[4] تفسير ابن عطية 5/ 14.

[5] مسند أحمد، رقم: 13048.

[6] إكمال المعلم بفوائد مسلم 1/275، تفسير القرطبي 15/358.

  • للاطلاع أيضا

    نشاط في موضوع: من مقاصد الحج الإخلاص و التفويض (إعداد: الإمام المرشد عثمان بن الشيخ)

    تنزيلا لمقتضيات برنامجه الشهري؛ نظم المجلس العلمي المحلي بتازة بتنسيق مع المندوبية الإقليمية للشؤون الإسلامية بتازة نشاطا علميا، وفق العناصر الآتية: نوع النشاط: درس وعظي؛ المحور: المحور الخامس: أنشطة مشروع تسديد التبليغ؛ مكان النشاط وجماعته: مسجد بلال بوادي أمليل؛ تاريخه: 2026-05-11 توقيته: بين العشائين؛ تأطير: الإمام المرشد ذ. عثمان بن الشيخ. فقرات النشاط: – مفهوم الإخلاص؛ – مفهوم التفويض؛ – مظاهر الإخلاص و التفويض في الحج؛ – الختم بالدعاء الصالح لأمير المؤمنين جلالة الملك محمد السادس نصره الله و أيده و لكافة المسلمين. إعداد: الإمام المرشد عثمان بن الشيح. الصفة: مرشد. تصنيف النشاط: نشاط عام. المراجع (ة): منسق المرشدين بالمجلس العلمي الأستاذ يونس العلام.

    نشاط في موضوع: شرح خطبة الجمعة (إعداد: الأستاذ عبد اللطيف خروبة)

    تنزيلا لمقتضيات برنامجه الشهري؛ نظم المجلس العلمي المحلي بتازة بتنسيق مع المندةبية الإقليمية للشؤون الإسلامية نشاطا علميا، وفق العناصر الآتية: نوع النشاط: درسا وعظيا؛ المحور: المحور الخامس: أنشطة مشروع تسديد التبليغ؛ مكان النشاط وجماعته: المسجد المركزي بجماعة أولاد ازباير؛ تاريخه: 2026-05-08؛ توقيته: 21 عشاء؛ تأطير: عضو المجلس العلمي عبد اللطيف خروبة؛ فقرات النشاط: الغاية من أداء شعائر الحج،ثمار فريضة الحج،تحصيل من لم يتيسر له الحج مثل ثمرات الحج بلزوم تقوى الله؛ الختم بالدعاء الصالح لأمير المؤمنين صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده؛ إعداد: الأستاذ عبد اللطيف خروبة (عضو المجلس العلمي).

    أنشطة متنوعة

    خطبة الجمعة ليوم 19 ذي الحجة 1447هـ موافق 05 يونيو 2026م «أَهَمِّيَّةُ الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ وَهَدْيُ النَّبِيِّ ﷺ فِيهِ»

    • يونيو 3, 2026
    • 10 views
    خطبة الجمعة ليوم 19 ذي الحجة 1447هـ موافق 05 يونيو 2026م «أَهَمِّيَّةُ الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ وَهَدْيُ النَّبِيِّ ﷺ فِيهِ»

    زيارة تفقدية للقيم الديني محمد الشريفي الإدريسي استفاد من العجز (إعداد: عمر الحميدي)

    • يونيو 1, 2026
    • 85 views
    زيارة تفقدية للقيم الديني محمد الشريفي الإدريسي استفاد من العجز (إعداد: عمر الحميدي)

    نشاط في موضوع: نشاط في موضوع :محاضرة تحت عنوان “هدي النبي صلى الله عليه وسلم في الحوار بالحكمة والرفق”. (إعداد :إلامام المرشد عبدالمجيد المغاري) (في انتظار احالة النشاط إلى الخاص)

    • يونيو 1, 2026
    • 24 views
    نشاط في موضوع: نشاط في موضوع :محاضرة تحت عنوان “هدي النبي صلى الله عليه وسلم في الحوار بالحكمة والرفق”. (إعداد :إلامام المرشد عبدالمجيد المغاري) (في انتظار احالة النشاط إلى الخاص)

    نشاط في موضوع: زيارة مركز تحفيظ القرآن الكريم (إعداد: عبد العزيز الهرنان)

    • يونيو 1, 2026
    • 23 views
    نشاط في موضوع: زيارة مركز تحفيظ القرآن الكريم (إعداد: عبد العزيز الهرنان)

    نشاط في موضوع: الاجتماع الشهري مع السادة المرشدين و السيدات المرشدات بمقر المجلس العلمي المحلي بتازة (إعداد: يونس العلام)

    • يونيو 1, 2026
    • 35 views
    نشاط في موضوع: الاجتماع الشهري مع السادة المرشدين و السيدات المرشدات بمقر المجلس العلمي المحلي بتازة (إعداد: يونس العلام)

    نشاط في موضوع: التغافل سر استمرار العلاقة الزوجية (إعداد: خديجة الصغير)

    • يونيو 1, 2026
    • 23 views
    نشاط في موضوع: التغافل سر استمرار العلاقة الزوجية (إعداد: خديجة الصغير)